منير سلطان

89

إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة

الفقهاء وقيل أيضا ، أنه لم يتقدم بجمعه ، لأن في أيامه كان ينتظر الوحي والزيادة ، وقد كانت تنزل آيات فتضمّ إلى مواضع من السور ، فأحب الرسول - صلّى اللّه عليه وسلم - أن يتكامل على وجه يستقر العلم به ، ثم يجمع ويدوّن ، وعلم أنه تعالى تكفل بحفظه . فلا بد أن يحتاط في جمعه بعده ، وإنما كان يرجع إلى الآحاد وإلى الشاهدين في باب القرآن ، على الحد الذي يرجع الآن مع ظهوره وشدة حرصه إلى المتقدمين في المعرفة ليضبطوا المصاحف ، وليس كل من يرجع إلى الشهود فقد عوّل على قولهم ، أو ربما يتذكّر بهم ، أو يحتاط بمشارفتهم وهذه طريقة معروفة في الاحتياط « 1 » . والقرآن مخلوق فكيف يصح إعجازه مع حدوثه ؟ يجيب القاضي عبد الجبار قائلا : أنه لا فرق بين أن يحدثه تعالى في السماء ويأمر جبريل بتحمله عند بعثته الرسول ، عليه السلام ، وإنزاله إليه ، وبين أن يحدثه في الحال ويأمر بالإنزال ، وبين أن يأمره بالإنزال ثم يحدثه ، في أن على الوجوه كلّها ، اختصاصه بنقض العادة في الوجه الذي تنقض عليه لا يتغير ، ولذلك سوينا بين الجميع ، فإذا كان تعالى يعلم أن في تقديم إحداثه ضربا من المصلحة ، فالواجب أن يقدّم إحداثه لكي تحصل المصلحة به « 2 » . إذن فالقرآن يصح أن يتخذ دليلا على الإعجاز ، وأنه صحيح لم تمتد إليه يد العبث ، وكونه محدثا لا يمنع من اتخاذه دليلا على نبوة . بيد أن هذه الضمانات لا تمنع من معارضة العرب للقرآن ، وليس معنى عدم وصول هذه المعارضة أنها لم تكن ، لأنه يجوز أنهم عارضوه ، ولمصلحة الدين والحفاظ عليه لم تنقل المعارضة ؟ ولا يترك القاضي هذا التساؤل بدون أن يفرد له فصلا ويكون بعنوان « في بيان الدلالة على أنهم لم يعارضوه عليه السلام لتعذر المعارضة عليهم » قال فيه : « وبعد ، فإنهم لو تكلفوا المعارضة ، وبلغوا النهاية ، لا يزيدون على من تقدم ، من طبقات الشعراء ، لأن مزية شعرهم وخطبهم على من كان في زمنه صلّى اللّه عليه وسلم ، معروفة

--> ( 1 ) القاضي عبد الجبار - إعجاز القرآن 165 و 166 . ( 2 ) نفس المصدر - 179 .